الملا فتح الله الكاشاني

574

زبدة التفاسير

ثمّ نبّه سبحانه على النظر فيما يدلّ على وحدانيّته وكمال قدرته بطريق آخر ، ليستوفي الإلزام عليهم ، فقال : * ( أَلَمْ تَرَ إِلى رَبِّكَ ) * ألم تنظر إلى صنعه وقدرته * ( كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ ) * كيف جعله منبسطا ممتدّا لينتفع به الناس ؟ أو ألم تنظر إلى الظلّ كيف مدّه ربّك ؟ فغيّر النظم إشعارا بأنّه المعقول من هذا الكلام ، لوضوح برهانه ، وهو دلالة حدوثه وتصرّفه على الوجه النافع بأسباب ممكنة ، على أنّ ذلك فعل الصانع الحكيم كالمشاهد المرئي ، فكيف بالمحسوس منه . أو ألم ينته علمك إلى أنّ ربّك كيف مدّ الظلّ ؟ وهو ظلّ الأجرام ، من نحو الجبال والحيطان والأشجار . وعن ابن عبّاس والضحّاك وسعيد بن جبير : المراد الظلّ من وقت طلوع الفجر إلى طلوع الشمس . وهو أطيب الأحوال ، فإنّ الظلمة الخالصة تنفّر الطبع وتسدّ النظر ، وشعاع الشمس يسخن الجوّ ويبهر البصر . ولذلك وصف به الجنّة فقال : * ( وظِلٍّ مَمْدُودٍ ) * « 1 » . * ( وَلَوْ شاءَ لَجَعَلَه ساكِناً ) * ثابتا ، من السكنى ، أي : لاصقا بأصل كلّ مظلّ ، من جبل وبناء وشجرة ، غير منبسط ، فلم ينتفع به أحد . سمّي انبساط الظلّ وامتداده تحرّكا ، وعدم ذلك سكونا ، تجوّزا . أو جعله غير متقلَّص ، من السكون ، بأن يجعل الشمس مقيمة على وضع واحد . * ( ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْه دَلِيلاً ) * فإنّه لا يظهر للحسّ حتّى تطلع ، فيقع ضوءها على بعض الأجرام . أو لا يوجد ولا يتفاوت إلَّا بسبب حركتها . يعني : أنّ الناس يستدلَّون بالشمس وأحوالها في مسيرها على أحوال الظلّ ، من كونه ثابتا في مكان وزائلا ، ومتّسعا ومتقلَّصا . ولولا الشمس لما عرف الظلّ ، ولولا النور لما عرفت الظلمة . فيبنون حاجتهم إلى الظلّ على حسب ذلك . ولمّا عبّر عن إحداثه بالمدّ بمعنى التسيير ، عبّر عن إزالته بالقبض إلى نفسه الَّذي

--> ( 1 ) الواقعة : 30 .